مصطفى لبيب عبد الغني

87

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

إذا كان السؤال عن السبب البادى يعينك على الاستدلال بغيره ، فاقصد لذلك فإنه أسهل وأوضح « 1 » . ومع ذلك فالرازى يحذر من التسرع في الاستنتاج أو إقامة التشخيص والعلاج استنادا إلى العلامات الحاضرة أو الظواهر العارضة فحسب ، إذ « لا ينبغي أن يقتصر على العلامات الحاضرة في تمييز العلة حتى تسألوا معها عن الأسباب المتقدمة ، فإن الحاضرة لا تفي بما تحتاج إليه من الدلالة هاهنا » « 2 » . وفي خاتمة الكتاب الأول من « الحاوي » يبين الرازي أن « المرض قد يكون واحدا ويقتضى تدبيرا واحدا متشابها بحسب أزمانه ، وقد يقترن به عرض من الأعراض ، وربما كان تدبيره قريبا من تدبير المرض أو مضادا . وينبغي على الطبيب أن يبدأ بعلاج الأهم منها أو الذي هو الأصل ، والسبب في الآخر ، إلا أن يكون التابع اللاحق قد عظم ضرره ، فينبغي أن يقبل عليه بالعلاج . وكذلك إن كان هناك حال لا يمكن مداوامة المرض إلا بعد إصلاحها وعلاجها فيبدأ بها » . فالطبيب يتمكن من علاج المرض متى عرف سببه القريب والبعيد ، ومتى استطاع التمييز بين ما يسميه الرازي « السبب الفاعل » وما يسميه « السبب الثاني » « 3 » ، ومتى راعى شدة التأثير وجعل قصده وعنايته بالعلة الأصعب » « 4 » . ويعين الطبيب في ذلك أن يستمع لنصيحة الرازي « فلا ينبغي أن يدع مساءلة المريض عن كل ما يمكن أن تتولد عنه علته من داخل ومن خارج ثم يقضى بالأقوى » « 5 » . ومن المفيد أن نقف على بعض الاحتياطات التي يوجبها الرازي - في هذا المقام - وذلك من قبيل ما ذكره في خاتمة الكتاب الأول من « الحاوي » ؛ يقول : « لا تهجم على مداواة الطفل أو الشيخ أو من قد طال به المرض أو أنهكته الأعلال ، بدواء قوى يخشى منه على انحلال القوة وإن دعت الحاجة إليه . ويقول أيضا « لا تأمر بالدواء الشديد التنقية ما أمكنك . وإن أقدمت على ذلك فيمن

--> ( 1 ) الرازي : « الحاوي » ج 14 ص 131 . ( 2 ) الرازي : « الحاوي » ج 10 ص 186 . ( 3 ) الرازي : « مقالة في الحصى في الكلى » ص 90 . ( 4 ) المصدر السابق ص 68 . ( 5 ) ابن أبي أصيبعة : « عيون الأنباء » ص 421 .